الخميس، 30 أبريل 2015

لا ترد يد لامس أو لاتمنع يد لامس




{ لا ترد يد لامس }
قال الامام النسائي : " 3229 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَغَيْرُهُ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَبْدُ الْكَرِيمِ، يَرْفَعُهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَارُونُ لَمْ يَرْفَعْهُ، قَالَا: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي امْرَأَةً، هِيَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَهِيَ لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ، قَالَ: «طَلِّقْهَا»، قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا، قَالَ: «اسْتَمْتِعْ بِهَا» قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَهَارُونُ بْنُ رِئَابٍ أَثْبَتُ مِنْهُ وَقَدْ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ، وَهَارُونُ ثِقَةٌ، وَحَدِيثُهُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ» " اهـ .[1]
وفي سنن البيهقي : " 13870 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، أنبأ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ الطُّوسِيُّ، ثنا أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ الْعُقَيْلِيُّ، ثنا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ثنا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ، وَهَارُونُ بْنُ رِئَابٍ الْأَسَدِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ حَمَّادٌ: قَالَ أَحَدُهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: " يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ عِنْدِي بِنْتَ عَمٍّ لِي جَمِيلَةً، وَأَنَّهَا لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍقَالَ: " طَلِّقْهَا " قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا قَالَ: " فَأَمْسِكْهَا إِذًا "، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ مُرْسَلًا " اهـ .[2]
قال الحافظ العراقي : " 1 - حَدِيث "جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِن لي امْرَأَة لَا ترد يَد لامس، قَالَ: طَلقهَا، فَقَالَ: إِنِّي أحبها. قَالَ: أمْسكهَا"
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثَابِت، والمرسل أولَى بِالصَّوَابِ. وَقَالَ أَحْمد: حَدِيث مُنكر، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات " اهـ .[3]
فالاثر قد ضعفه بعض اهل العلم , ولو قلنا انه صحيح , فهو محمول على انها سهلة الاخلاق في كلامها مع الرجال , ولا يراد منه الزنى , قال الامام الصنعاني : " اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ عَلَى قَوْلَيْنِ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ مَعْنَاهُ الْفُجُورُ، وَأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ مَنْ يُرِيدُ مِنْهَا الْفَاحِشَةَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ وَالْخَلَّالُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَالْخَطَّابِيُّ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الرَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَطْلِيقُ مَنْ فَسَقَتْ بِالزِّنَا إذَا كَانَ الرَّجُلُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُفَارَقَتِهَا.
(وَالثَّانِي) أَنَّهَا تُبَذِّرُ بِمَالِ زَوْجِهَا، وَلَا تَمْنَعُ أَحَدًا طَلَبَ مِنْهَا شَيْئًا مِنْهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ وَالْأَصْمَعِيِّ وَنَقَلَهُ عَنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ، وَهُوَ أَشْبَهَ بِالْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ يَشْكُلُ عَلَى ظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] ، وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ.
(قُلْت) : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فِي غَايَةٍ مِنْ الْبُعْدِ بَلْ لَا يَصِحُّ لِلْآيَةِ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَأْمُرُ الرَّجُلَ أَنْ يَكُونَ دَيُّوثًا فَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ وَالثَّانِي بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ التَّبْذِيرَ إنْ كَانَ بِمَالِهَا فَمَنْعُهَا مُمْكِنٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ فَكَذَلِكَ، وَلَا يُوجِبُ أَمْرُهُ بِطَلَاقِهَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُتَعَارَفْ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ لَا يَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ كِنَايَةً عَنْ الْجُودِ فَالْأَقْرَبُ الْمُرَادُ أَنَّهَا سَهْلَةُ الْأَخْلَاقِ لَيْسَ فِيهَا نُفُورٌ وَحِشْمَةٌ عَنْ الْأَجَانِبِ لَا أَنَّهَا تَأْتِي الْفَاحِشَةَ وَكَثِيرٌ مِنْ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مَعَ الْبُعْدِ مِنْ الْفَاحِشَةِ، وَلَوْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا لَا تَمْنَعُ نَفْسَهَا عَنْ الْوِقَاعِ مِنْ الْأَجَانِبِ لَكَانَ قَاذِفًا لَهَا " اهـ .[4]
وقال العلامة محمد بن ابراهيم : " وأما حديث (لا ترد يد لامس)
فإن المراد أنها دمثة الأخلاق، وسهلة الجانب، فالذي يراها ويسمع دماثة أخلاقها يظنها بصفة السوء. فهذه صفة مكروهة، فالذي ينبغي فراقها، إلا أن يكون يتضرر بفراقها ضرراً كبيراً. وفراقها مخالفة أن تقع في سوء ولو بمحادثتها، فإنه من الاستمتاع بها. فهذا معنى الحديث.
وليس معناه أن الزوجة الخبيثة يمسكها بل يحرم حتى في الأمة وفي الحديث: (فليبيعها ولو بحبل) متفق عليه " اهـ .[5]
ومن المعلوم ان قذف الرجل للمرأة تترتب عليه احكام كما قال الله تعالى : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) : النور } , فالحكم لا يخرج من ان يكون جلدا , او ملاعنة , وبما ان مقصود الرجل لا يتعلق بالزنى لم يحكم عليه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بأي حكم يتعلق بالقذف , وكذلك نقول لا يمكن ان يسمح النبي صلى الله عليه واله وسلم لمسلم بأن يُبقي زانية في عصمته , وقد جاء من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه واله وسلم  قال : " ثَلَاثٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ بِوَالِدَيْهِ ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ - الْمُتَشَبِّهَةُ بِالرِّجَالِ -، وَالدَّيُّوثُ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ بِوَالِدَيْهِ ، وَالْمُدْمِنُ الْخَمْرَ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى " (4)
__________
 (4) إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن يسار، فقد روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في"الثقات"، وصحح حديثه هذا هو والحاكم والذهبي.
يعقوب: هو ابن إبراهيم بن سعد الزهري المدني " اهـ .[6]
وقد فسر الامام ابن حجر معنى الديوث , فقال : " وَالدَّيُّوثُ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ بِوَزْنِ فَرُّوجٍ وَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ أَنَّهُ الَّذِي يُقِرُّ الْخُبْثَ فِي أَهْلِهِ " اهـ .[7]
فالنبي صلى الله عليه واله وسلم قد حذر من الدياثة , فلا يمكن حمل الكلام الذي قاله الرجل عن زوجته انها لا ترد يد لامس بالزنا .
ولقد جاءت هذه الرواية بعينها في كتب الامامية , وقد صححها علمائهم , بل قد ورد التصريح عندهم برواية تجيز للرجل ابقاء الزانية في عصمتهم وقد صححوها .
قال الطوسي : "  ( 216 ) 9 -  أحمد بن محمد عن الحسين عن ابن أبي عمير عن علي بن عطية عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله ان امرأتي لا تدفع يد لامس قال : فطلقها فقال : يا رسول الله  انى أحبها قال : فامسكها " اهـ .[8]
وقال محمد تقي المجلسي : " و في الصحيح، عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و آله فقال: يا رسول الله إن امرأتي لا تدفع يد لامس قال: فطلقها فقال يا رسول الله إني أحبها قال: فأمسكها " اهـ .[9]
وقال محمد سعيد الحكيم : "  ونحوه صحيح زرارة عنه عليه السلام : قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله إن امرأتي لا تدفع يد لامس ، قال : فطلقها ، قال : يا رسول الله إني أحبها ، قال : فامسكها " اهـ .[10]
ولقد وضع الحر العاملي هذه الرواية وغيرها تحت باب يجيز امساك الزوجة الزانية , حيث قال : " 43 -  باب استحباب طلاق زوجة الزانية وجواز إمساكها ( 34434 ) 1 - محمد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمد ، عن الحسين - يعنى : ابن سعيد - عن ابن أبي عمير ، عن علي بن عطية ، عن زرارة ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : جاء رجل إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا رسول الله إن امرأتي لا تدفع يد لامس ، قال : فطلقها ، فقال : يا رسول الله إني أحبها ، قال : فأمسكها . ( 34435 ) 2 - وعنه ، عن الحسين ، عن النضر بن سويد ، عن عبد الله  ابن سنان قال : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن رجل رأى امرأته تزني أيصلح له أن يمسكها  ؟ فقال : نعم إن شاء . أقول : وتقدم ما يدل على ذلك  ، ويأتي ما يدل عليه " اهـ .[11]
وقال الطوسي : " ( 217 ) 10 -  عنه عن الحسين عن النضر بن سويد عن عبد الله ابن سنان قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل رأى امرأته تزني أيصلح له امساكها ؟ قال : نعم ان شاء " اهـ .[12]
وقال محمد تقي المجلسي : " و في الصحيح عن عبد الله بن سنان قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل رأى امرأته تزني أ يصلح له إمساكها (أو أن يمسكها)؟ قال: نعم إن شاء- و نقلوا رواية أن له أن يقتلها و لم نرها في الكتب و الله تعالى يعلم " اهـ .[13]


1 - سنن النسائي – احمد بن علي بن شعيب النسائي – ج 6 ص 67 .
2 - سنن البيهقي – ابو بكر احمد بن الحسين البيهقي – ج 7 ص 249 .
3 - تخريج أحاديث الإحياء - أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي - ج 1 ص 474 .
4 - سبل السلام – ابو ابراهيم محمد بن إسماعيل الصنعاني - ج 2  ص 284 .
5 - فتاوى ورسائل - محمد بن إبراهيم آل الشيخ - ج 10  ص 100 .
6 - مسند الامام احمد – تحقيق شعيب الارناؤوط – ج 10 ص 321 - 322 .
7 - فتح الباري – احمد بن علي بن حجر – ج 10 ص 406 .
8 - تهذيب الأحكام - الطوسي - ج 10  ص 59 – 60 , ومستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج 14  ص 388 .
9 - روضة المتقين – محمد تقي المجلسي - ج 10 ص 86 .
10 - مصباح المنهاج ، التقليد - السيد محمد سعيد الحكيم - شرح ص 367 .
11 - وسائل الشيعة  - الحر العاملي - ج 28 ص 147 – 148 .
12 - تهذيب الأحكام - الطوسي - ج 10  ص 60 .
13 - روضة المتقين – محمد تقي المجلسي - ج 10 ص 86 .
 

الأربعاء، 29 أبريل 2015

فانتهى الى سباطة قوم فبال قائما




{ فانتهى الى سباطة قوم فبال }
جاء في الصحيحين : " 225 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَمَاشَى،فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ، فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ» " اهـ .[1]
قال العلامة ابن منظور في اللسان : " السُّباطةُ والكُناسةُ الموضع الذي يُرْمى فيه الترابُ والأَوْساخُ وما يُكْنَسُ من المنازل " اهـ .[2]
فالحديث جاء لوجود علة تمنع من الجلوس , وهي التبول في السباطة التي تكون مكانا للاوساخ , وفي فعل النبي صلى الله عليه واله وسلم بيان الاباحة , والجواز لهذا الفعل رفعا للحرج عن الامة , ورفع الحرج عن الامة من سمات هذا الدين العظيم , قال الله تعالى : { مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (78) : الحج } .
واما ما ورد عن ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها من نفي هذا الفعل عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , فقد قال الامام الالباني : " 201 - " من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان
يبول إلا قاعدا ".
أخرجه النسائي (1 / 11) والترمذي (1 / 17) وابن ماجه (1 / 130)
والطيالسي (1 / 45 من ترتيبه) كلهم عن شريك بن المقدام عن شريح عن أبيه عن عائشة قالت ... فذكره.
وقال الترمذي: " حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح "....................
واعلم أن قول عائشة إنما هو باعتبار علمها، وإلا فقد ثبت في " الصحيحين "
وغيرهما من حديث حذيفة رضي الله عنه قال:" أتى النبي صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائما ".
ولذلك فالصواب جواز البول قاعدا وقائما، والمهم أمن الرشاش، فبأيهما حصل وجب.
وأما النهي عن البول قائما فلم يصح فيه حديث، مثل حديث " لا تبل قائما " وقد تكلمت عليه في " الأحاديث الضعيفة " رقم (938) " اهـ .[3]
يقول الرافضة ان هذه الرواية فيها طعن برسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وذلك على اعتبار ان البول قياما فيه منافاة للادب .
فأقول لا ادري اين المنافاة للادب بهذا الفعل , ومن قال ان تبول الرجل قائما ينافي الادب ؟ ! .
هل يوجد نص من النبي صلى الله عليه واله وسلم , او من كلام الائمة عند الرافضة ان التبول قياما فيه منافاة للادب ؟ ! .
ولقد جاء في كتب الامامية الرواية الدالة على جواز هذا الفعل , ولا يوجد اي تصريح من الائمة بأن هذا الفعل منافٍ للادب , او مستقبح  , ففي الكافي : "  عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) قَالَ سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَطَّلِي فَيَبُولُ وَ هُوَ قَائِمٌ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ" اهـ .[4]
فكلام الامام المعصوم صريح بالجواز , وعدم التعرض لمنافاة الادب , او استقباح الفعل , وفي الكافي ايضا : "  مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ غَالِبِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ بَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) وَ أَنَا قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ وَ مَعِي إِدَاوَةٌ أَوْ قَالَ كُوزٌ فَلَمَّا انْقَطَعَ شَخْبُ الْبَوْلِ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا إِلَيَّ فَنَاوَلْتُهُ بِالْمَاءِ فَتَوَضَّأَ مَكَانَهُ " اهـ .[5]
فهذه الرواية فيها قيام روح بن عبد الرحيم على راس الامام المعصوم وهو يبول , ولا يوجد اي استقباح لمثل هذا الفعل .
بل ان بول النبي صلى الله عليه واله وسلم , والائمة رضوان الله عليهم طاهر , ولا ينجس , كما جاء في كتب الامامية , قال محمد تقي المجلسي : " روى الكليني في القوي كالصحيح، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: للإمام عشر علامات، يولد مطهرا مختونا، ......... و نجوه كرائحة المسك، و الأرض موكلة بستره و ابتلاعه... " اهـ .[6]
وقال المازندراني : " قوله ( ونجوه كرائحة المسك ) هذه علامة سابعة ، وفيه حذف أي رائحة نجوه ، والنجو ما يخرج من ريح أو غائط وذلك لأن باطنه كظاهره طاهر مطهر مما يوجب التأذي والتنفر منه " اهـ .[7]
والوارد في كتب الامامية ان البول لا تأثيرلنجاسته بما يلبسه المصلي , قال الطوسي : " * ( 1480 ) * 12 - عنه عن الحسن بن علي عن عبد الله بن المغيرة عن الحسن  ابن موسى الخشاب عن علي بن أسباط عن ابن أبي ليلى عن زرارة قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ان قلنسوتي وقعت في بول فأخذتها فوضعتها على رأسي ثم صليت فقال : لا بأس " اهـ .[8]
فالنبي صلى الله عليه واله وسلم قوله , وفعله , وتقريره فيه بيان للامة ما يجوز , وما لا يجوز , وقد ورد في كتب الامامية بعض الافعال من الائمة التي تدل على جواز افعال تتعلق باشياء خاصة مثل ان ينام الرجل بين جاريتين , قال علي الطباطبائي : " و لا بأس أيضا  ( أن ينام بين أمتين ) للخبر فعلا : كان أبو الحسن ( عليه السلام ) ينام بين جاريتين  . ونحوه آخر قولا : لا بأس أن ينام الرجل بين أمتين والحرتين. ( ويكره ) كل من الأمرين * ( في الحرائر ) * أما الأول : فلما مضى ، وغيره . وأما الثاني : فقد علل بتضمنه الامتهان الغير اللائق بالحرائر " اهـ .[9]
فقد جاء تبيين الحكم من فعل المعصوم , وقوله , فالقول , والفعل , والتقرير , يكون على حسب ما يقدره المعصوم , ومن المعلوم عند الامامية ان الراد على المعصوم كالراد على الله تعالى وهو على حد الشرك بالله تعالى .




1 - صحيح البخاري - بَابُ البَوْلِ عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَالتَّسَتُّرِ بِالحَائِطِ – ج 1 ص 55 , وصحيح مسلم - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ – ج 1 ص 228 .
2 -  لسان العرب - محمد بن مكرم بن منظور – ج 7 ص 308 .
3 - السلسلة الصحيحة – محمد ناصر الدين الالباني – ج 1 ص 391 - 393 .
4 - الكافي – الكليني - ج 6 ص 500 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول - حسن – ج 22 ص 402 .
5 - الكافي – الكليني - ج 3 ص 21 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول - موثق أو مجهول – ج 13 ص 65 , وقال عن الرواية في ملاذ الاخبار – موثق – ج 3 ص 36 .
6 - روضة المتقين – محمد تقي المجلسي - ج 13 ص 235 .
7 - شرح أصول الكافي - محمد صالح المازندراني - ج 6 ص 392 .
8 - تهذيب الأحكام - الطوسي - ج 2  ص 357 – 358 .
9 - رياض المسائل - السيد علي الطباطبائي - ج 10 - ص 371
10- تهذيب الأحكام - الطوسي - ج 2  ص 357 – 358 .

11 - رياض المسائل - السيد علي الطباطبائي - ج 10 - ص 371